نبيل أحمد صقر

137

منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )

واستعانة ابن عاشور ببعض ما جاء من التوراة والإنجيل كانت من قبيل تفصيل ما أجمل من القصص القرآني ، وليس لهذه الأقوال من خطر سواء في العقيدة أم التشريع ، كما أنها ليست من قبيل الحشو والاستهواء اللذين نراهما في الإسرائيليات التي زجّها بعض المفسرين في كتبهم وقبولها دون تحقيق . ومهما يكن من أمر فقد أكثر العلماء من التنبيه على خطورة المرويات الإسرائيلية في كتب التفسير أيا ما كانت اتجاهات أصحابها ، وأنسب ما نستطيع التذكير به في هذا الأمر هو قول الشيخ أحمد محمد شاكر عن مرويات بني إسرائيل : « إن إباحة التحدث عنهم فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه شئ ، وذكر ذلك في تفسير القرآن وجعله قولا ، أو رواية في معنى الآيات ، أو في تعيين ما لم يعيّن فيها ، أو في تفصيل ما أجمل فيها شئ آخر ، لأن في إثبات مثل ذلك بجوار كلام اللّه ما يوهم أن هذا الذي لا نعرف صدقه ولا كذبه مبين لقول اللّه تعالى ، ومفصل لما أجمل فيه ، وحاشا للّه ولكتابه من ذلك ، وأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عندما أذن بالتحدث عنهم أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم « 1 » فأي تصديق لروايتهم وأقاويلهم أقوى من أن نقرنها بكتاب اللّه ، ونضعها موضع التفسير والبيان » « 2 » . ومن ثم يمكن القول إن ابن عاشور لم يقع في شرك الإسرائيليات وأكاذيبها ، وكانت استعانته بأقوال من التوراة والإنجيل في الحدود التي تلقى بعض الأضواء على أحداث تاريخية لم يدر حولها خلاف يذكر ، أو تمس العقيدة الإسلامية ولا أحكامها ، وكانت بعيدة عن الرغبة في استهواء القراء وجمع الأقوال فحسب ، كما يفعل بعض المفسرين الذي استهوتهم هذه الإسرائيليات . * * *

--> ( 1 ) انظر صحيح البخاري ، كتاب الأنبياء ، باب ما ذكر عن بني إسرائيل . ( 2 ) عمدة التفاسير عن الحافظ ابن كثير ، اختصار وتحقيق أحمد محمد شاكر ، ج 1 ، ص 15 ، دار المعارف ، مصر ، 1956 م .